المتابعون

الخميس، 20 أغسطس 2026

موقعة التيشيرت: الصحابة من التدين الشعبي إلى الإسلام السياسي


بقلم/ ميادة مدحت

 

   قد يبدو إلقاء القبض على صاحب علامة تجارية للقمصان الرجالية، للوهلة الأولى، خبرًا مثيرًا للدهشة فما المشكل في أن تُطبع أسماء صحابة الرسول، صلى الله عليه وسلم، على قمصان يرتديها الشباب المصري المسلم؟ وكيف تتحول مسألة تجارية ذات بعد ثقافي إلى قضية أمن دولة؟ بحثت عن التفاصيل، وسرعان ما عثرت على صفحة الشاب المحتجز ورحت أتصفح القمصان التي يبيعها، فكان أول ما رأيته قميصا طبعت عليه جملة: "أنا الذي سمتني أمي حيدرة!" وجدت أسفل الصورة التي تم تداولها عبر عدة صفحات أخرى تعليقات لمسلمين ومسلمات يسألون: من هو حيدرة؟ وهذا هو بيت القصيد، فالناس في مصر يعرفون عليا بن أبي طالب ويعشقونه حتى أنهم كتبوا فيه سيرة شعبية بديعة الجمال حفظتها بعض المخطوطات في دار الكتب المصرية ورددها الأدباتية ومنشدي الربابة قرونا عديدة مع غيرها من السير مثل سيرة أبي زيد الهلالي سلامة والظاهر بيبرس، لكنهم لا يعرفون حيدرة. واختيار ذلك الشاب لاسم حيدرة، الذي كان لقبا لعلي بن أبي طالب في الجاهلية، أطلقته عليه أمه فاطمة بنت أسد تيمنا بأبيها، هو اختيار دال على إصرار بعض تيارات الإسلام السياسي على تحويل الصحابة وسيرهم من خانة الذاكرة الدينية إلى أدوات يتم توظيفها في ساحة الصراع السياسي على الهوية والسلطة. ويشير ذلك الاختيار إلى دلالة أخرى أعمق- ليست موضوع المقال الحالي- تجعلنا نتساءل: هل دعوى الإخوان المسلمين والسلفيين هى في الأصل دعوى جاهلية تتخفى وراء ستار من التعصب الديني؟ 

يمكننا التمييز بوضوح بين ثلاثة مستويات للتعامل مع الصحابة والتابعين في السرديات المختلفة فالسردية الدينية الروحية تركز على أخلاق الصحابة من حيث كونهم كالنجوم، بأيهم اقتدينا اهتدينا فالصديق أبو بكر هو خير مثال للصديق المخلص، والفاروق مثال الشجاعة في الحق، وعلي مثال للحكمة وهكذا. أما السردية التاريخية فتقدم تلك الشخصيات كفاعلين في حركة التاريخ وبناء الدولة وتأسيس الحضارة، بدايةً َمن الخلفاء الراشدين الذين أسسوا قواعد سياسة المسلمين وشئونهم، مرورا بالعبادلة الثلاثة الذين وضعوا قواعد فقه العمارة والعمران الإسلامي، وصولا إلى القادة العسكريين الذين قادوا حركة التوسع والفتوحات. أما السردية الأيديولوجية، التي بدأت إرهاصاتها مع الدولة الأموية، واستفحل أمرها بعد ظهور الحركة الوهابية في الحجاز، ثم تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في عام 1928، توظف الصحابة كرموز سياسية جاهزة للاستدعاء كسلاح لإرهاب المنافسين على السلطة. تلك السردية الأخيرة تتسم بالاستعلاء على الآخر، وهذا الآخر لا يقتصر على غير المسلم بل يتسع ليبتلع المسلم الشيعي، والعلماني، والليبرالي، والصوفي. في تلك السردية التي يتبناها بائع الملابس المشار إليه في بداية المقال، يتحول علي إلى حيدرة، ويتم تنحية سلمان الفارسي وبلال بن رباح وأبي ذر الغفاري، لتتصدر قمصانه المغرضة أسماء لصحابة أقل شهرة وشعبية بين عامة المسلمين مثل القعقاع بن عمرو، ويتم ترويج أحد القمصان بصورة لشاب يقف عند أهرامات الجيزة مرتديا قميص طبعت عليه جملة "عمرو بن العاص عظيم مصر". ويتوالى خط الإنتاج المؤدلج فينتزع جملة مثل "إما أن تسلموا وإما أن تدفعوا الجزية" من سياقها التاريخي ويلقيها في وجوهنا جميعا كقنبلة موقوته تهدد السلم المجتمعي وتعيد إلى الأذهان عصورا من التمييز الديني الذي لم يعد مقبولا في حاضرنا. 

لقد كشفت تلك الواقعة عمق الفجوة بين التدين الشعبي المصري، والخطاب الأيديولوجي للإسلام السياسي؛ فالوجدان المصري يحب عمر بقدر ما يحب عليا، ويعشق الحسين لكنه لا يلعن معاوية. والمصري دائما يحب أن يذكر محاسن موتاه فهو لا يبحر في الكتب ليقرأ عن موقعة الجمل، والفتنة الكبرى، والتحكيم. أما المتأسلمون فيعيدون إنتاج الصراع ويستخرجون الجثث ليحاكموها وفقا لقوانين اللعبة السياسية بما يمليه عليهم هواهم وما تقتضيه مصالحهم. إنهم يتحدثون عن ابن الخطاب كثيرا، في معرض مناداتهم بعودة الخلافة، لكنهم لا يأتون على ذكر ما فعله عمر من إلغاء حد السرقة في عام الرمادة، ومنع الإماء من ارتداء الحجاب، وإسقاط العمل بآيات من القرآن الكريم ليعطل سهم المؤلفة قلوبهم في الزكاة. والوجدان الشعبي يحب آل البيت ويتشيع لهم بوضوح بل ونجد، في غير موضع، ذكرا طيبا للفداوية في بعض السير الشعبية وحكايات في كتب التاريخ عن حبل الود بين أهل مصر والفاطميين الذين دخل المصريون إلى الإسلام في عصرهم أفواجا. أما الإسلام السياسي في مصر فمازال يردد مزاعم من نوعية أن عمرو بن العاص هو الذي هدى المصريين إلى الإسلام وهو أمر غير صحيح بالمرة، وأن الشيعة متواطئون مع اليهود ضد الإسلام وغير ذلك من ادعاءات غير منزهة عن الغرض.

إن الخطاب المؤدلج الذي تبناه ذلك الشاب ومن خلفه، ينقل الصحابة من خانة المشترك التاريخي والديني إلى خانة المتنازع فيه والمختلف عليه بين الأنا والآخر. وهنا تحديدا يكمن الخطر فتسييس الهوية الدينية ينقلها من الفضاء الثقافي إلى الطائفي، ومن المجال المعرفي إلى الأيديولوجي، فيصبح التسامح الديني تهاونًا في الدين، وذنبا يجب استتابة مرتكبه. قد يقود ذلك إلى اكتساب الميليشيات المسلحة لتيار الإسلام السيساسي شرعية دينية، وسلطة أخلاقية على المجتمع بحيث يصبح من حق جنود الله، أو من يظنون أنفسهم كذلك، أن يشهروا أسلحتهم في وجه من لا يعرفون القعقاع وحيدرة، ومن يرفضون فرض الجزية على المسيحيين، ومن لا يرون أن ابن العاص عظيم مصر. وستمتد القوائم السوداء بمن يجب استتابتهم أو تصفيتهم إلى ما لا نهاية وهو ما ينذر بالخراب العاجل. 

    



     

   





 


 

     

  

 

 

 

 

 

 


الاثنين، 16 فبراير 2026

يوسف زيدان وترام الإسكندرية

بقلم/ ميادة مدحت


 

اكتسب يوسف زيدان شهرته خلال عقود طويلة من البحث والكتابة أثرى خلالها المكتبة العربية بمؤلفات ماتعة. كان اللاهوت العربي من أهم الكتب التي قرأتها في حياتي ومازلت أذكر حالة الدهشة التي انتابتني مع قراءة رواية عزازيل وثلاثية المتاهات وغيرها من الكتب والروايات من إبداعه. وفي الوقت الذي انعزل فيه معظم المثقفين عن الناس حرص زيدان على إقامة لقاء ثقافي في القاهرة وآخر في الإسكندرية كان يحضرهما مئات الشباب. إذن لم يستمد يوسف زيدان مكانته من كونه كاتبا ومثقفا فقط لكن من كونه مؤثرا ومشاركا فاعلا في المجتمع حتى تحول إلى جزء من ذكرياتنا الجميلة.

وقد أثار زيدان الجدل مرارا بتصريحاته التي أثارت التساؤلات حول ما اعتبرناه مسلمات تاريخية لكن أكثر ما أثار دهشتي واستيائي كان تصريحه بأن الديمقراطية ليست مناسبة لسياقنا الحالي وأنه يفضل نمطا من حكم النخبة فيما أسماه مجلس حكماء المدينة. وقلت لنفسي في نهاية المطاف لو كان لمدينة الإسكندرية مجلس للحكماء يضم يوسف زيدان وأسامة أنور عكاشة وكفافيس ولورانس داريل لتحولت إلى جنة الله في أرضه وبما أن كل الأسماء المذكورة قد رحلت عن عالمنا فبارك الله لنا في زيدان ففيه الكفاية.        

ومن يتابع يوسف زيدان يعرف عشقه للإسكندرية فهى المدينة التي عاش فيها بحكم المصادفة القدرية والظروف العائلية طفلا ومراهقا وبقى فيها حتى الآن قناعة وحبا واختيارا رغم شهرته التي جابت الآفاق ورغم امتلاكه لبيت في حى الزمالك بالقاهرة. وقد خلق الله العشق للإسكندرية بما أوتيت من جمال وعراقة وهوية بصرية امتزج فيها سحر البحر وبراءة الشجر وعراقة التاريخ. فماذا فعل زيدان وهو يرى معشوقته تستباح من تشويه حديقة المنتزه إلى حجب البحر عن أهلها حتى كارثة تدمير ترام الإسكندرية وذبح الأشجار من حوله بحجة التطوير؟ هل انتفض في غضبة المحبوب لمحبوبته فجمع حوله من استنارت عقولهم بأفكاره لمواجهة بلدوزر فضة المعداوي قبل أن يهدم ما تبقى من جمال؟ لا. هل أدلى بتصريح أو كتب منشورا واحدا على مواقع التواصل ينتقد رفع الترام أو يقترح بديلا حكيما على الحكومة أو حتى يسترجع ذكرياته مع ترام الاسكندرية في أسى؟ لم يحدث!

لماذا صمت المثقف السكندري والحكيم المؤمن بأن حكم النخبة هو الحل؟ إنه يعرف، أكثر من غيره، قيمة الترام كجزء من الذاكرة الاجتماعية للمدينة ومكون رئيس في هويتها البصرية فلماذا لم يعترض؟ وهل الصمت في تلك الحالة من شيم الحكماء؟