المتابعون

الخميس، 20 أغسطس 2026

موقعة التيشيرت: الصحابة من التدين الشعبي إلى الإسلام السياسي


بقلم/ ميادة مدحت

 

   قد يبدو إلقاء القبض على صاحب علامة تجارية للقمصان الرجالية، للوهلة الأولى، خبرًا مثيرًا للدهشة فما المشكل في أن تُطبع أسماء صحابة الرسول، صلى الله عليه وسلم، على قمصان يرتديها الشباب المصري المسلم؟ وكيف تتحول مسألة تجارية ذات بعد ثقافي إلى قضية أمن دولة؟ بحثت عن التفاصيل، وسرعان ما عثرت على صفحة الشاب المحتجز ورحت أتصفح القمصان التي يبيعها، فكان أول ما رأيته قميصا طبعت عليه جملة: "أنا الذي سمتني أمي حيدرة!" وجدت أسفل الصورة التي تم تداولها عبر عدة صفحات أخرى تعليقات لمسلمين ومسلمات يسألون: من هو حيدرة؟ وهذا هو بيت القصيد، فالناس في مصر يعرفون عليا بن أبي طالب ويعشقونه حتى أنهم كتبوا فيه سيرة شعبية بديعة الجمال حفظتها بعض المخطوطات في دار الكتب المصرية ورددها الأدباتية ومنشدي الربابة قرونا عديدة مع غيرها من السير مثل سيرة أبي زيد الهلالي سلامة والظاهر بيبرس، لكنهم لا يعرفون حيدرة. واختيار ذلك الشاب لاسم حيدرة، الذي كان لقبا لعلي بن أبي طالب في الجاهلية، أطلقته عليه أمه فاطمة بنت أسد تيمنا بأبيها، هو اختيار دال على إصرار بعض تيارات الإسلام السياسي على تحويل الصحابة وسيرهم من خانة الذاكرة الدينية إلى أدوات يتم توظيفها في ساحة الصراع السياسي على الهوية والسلطة. ويشير ذلك الاختيار إلى دلالة أخرى أعمق- ليست موضوع المقال الحالي- تجعلنا نتساءل: هل دعوى الإخوان المسلمين والسلفيين هى في الأصل دعوى جاهلية تتخفى وراء ستار من التعصب الديني؟ 

يمكننا التمييز بوضوح بين ثلاثة مستويات للتعامل مع الصحابة والتابعين في السرديات المختلفة فالسردية الدينية الروحية تركز على أخلاق الصحابة من حيث كونهم كالنجوم، بأيهم اقتدينا اهتدينا فالصديق أبو بكر هو خير مثال للصديق المخلص، والفاروق مثال الشجاعة في الحق، وعلي مثال للحكمة وهكذا. أما السردية التاريخية فتقدم تلك الشخصيات كفاعلين في حركة التاريخ وبناء الدولة وتأسيس الحضارة، بدايةً َمن الخلفاء الراشدين الذين أسسوا قواعد سياسة المسلمين وشئونهم، مرورا بالعبادلة الثلاثة الذين وضعوا قواعد فقه العمارة والعمران الإسلامي، وصولا إلى القادة العسكريين الذين قادوا حركة التوسع والفتوحات. أما السردية الأيديولوجية، التي بدأت إرهاصاتها مع الدولة الأموية، واستفحل أمرها بعد ظهور الحركة الوهابية في الحجاز، ثم تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في عام 1928، توظف الصحابة كرموز سياسية جاهزة للاستدعاء كسلاح لإرهاب المنافسين على السلطة. تلك السردية الأخيرة تتسم بالاستعلاء على الآخر، وهذا الآخر لا يقتصر على غير المسلم بل يتسع ليبتلع المسلم الشيعي، والعلماني، والليبرالي، والصوفي. في تلك السردية التي يتبناها بائع الملابس المشار إليه في بداية المقال، يتحول علي إلى حيدرة، ويتم تنحية سلمان الفارسي وبلال بن رباح وأبي ذر الغفاري، لتتصدر قمصانه المغرضة أسماء لصحابة أقل شهرة وشعبية بين عامة المسلمين مثل القعقاع بن عمرو، ويتم ترويج أحد القمصان بصورة لشاب يقف عند أهرامات الجيزة مرتديا قميص طبعت عليه جملة "عمرو بن العاص عظيم مصر". ويتوالى خط الإنتاج المؤدلج فينتزع جملة مثل "إما أن تسلموا وإما أن تدفعوا الجزية" من سياقها التاريخي ويلقيها في وجوهنا جميعا كقنبلة موقوته تهدد السلم المجتمعي وتعيد إلى الأذهان عصورا من التمييز الديني الذي لم يعد مقبولا في حاضرنا. 

لقد كشفت تلك الواقعة عمق الفجوة بين التدين الشعبي المصري، والخطاب الأيديولوجي للإسلام السياسي؛ فالوجدان المصري يحب عمر بقدر ما يحب عليا، ويعشق الحسين لكنه لا يلعن معاوية. والمصري دائما يحب أن يذكر محاسن موتاه فهو لا يبحر في الكتب ليقرأ عن موقعة الجمل، والفتنة الكبرى، والتحكيم. أما المتأسلمون فيعيدون إنتاج الصراع ويستخرجون الجثث ليحاكموها وفقا لقوانين اللعبة السياسية بما يمليه عليهم هواهم وما تقتضيه مصالحهم. إنهم يتحدثون عن ابن الخطاب كثيرا، في معرض مناداتهم بعودة الخلافة، لكنهم لا يأتون على ذكر ما فعله عمر من إلغاء حد السرقة في عام الرمادة، ومنع الإماء من ارتداء الحجاب، وإسقاط العمل بآيات من القرآن الكريم ليعطل سهم المؤلفة قلوبهم في الزكاة. والوجدان الشعبي يحب آل البيت ويتشيع لهم بوضوح بل ونجد، في غير موضع، ذكرا طيبا للفداوية في بعض السير الشعبية وحكايات في كتب التاريخ عن حبل الود بين أهل مصر والفاطميين الذين دخل المصريون إلى الإسلام في عصرهم أفواجا. أما الإسلام السياسي في مصر فمازال يردد مزاعم من نوعية أن عمرو بن العاص هو الذي هدى المصريين إلى الإسلام وهو أمر غير صحيح بالمرة، وأن الشيعة متواطئون مع اليهود ضد الإسلام وغير ذلك من ادعاءات غير منزهة عن الغرض.

إن الخطاب المؤدلج الذي تبناه ذلك الشاب ومن خلفه، ينقل الصحابة من خانة المشترك التاريخي والديني إلى خانة المتنازع فيه والمختلف عليه بين الأنا والآخر. وهنا تحديدا يكمن الخطر فتسييس الهوية الدينية ينقلها من الفضاء الثقافي إلى الطائفي، ومن المجال المعرفي إلى الأيديولوجي، فيصبح التسامح الديني تهاونًا في الدين، وذنبا يجب استتابة مرتكبه. قد يقود ذلك إلى اكتساب الميليشيات المسلحة لتيار الإسلام السيساسي شرعية دينية، وسلطة أخلاقية على المجتمع بحيث يصبح من حق جنود الله، أو من يظنون أنفسهم كذلك، أن يشهروا أسلحتهم في وجه من لا يعرفون القعقاع وحيدرة، ومن يرفضون فرض الجزية على المسيحيين، ومن لا يرون أن ابن العاص عظيم مصر. وستمتد القوائم السوداء بمن يجب استتابتهم أو تصفيتهم إلى ما لا نهاية وهو ما ينذر بالخراب العاجل. 

    



     

   





 


 

     

  

 

 

 

 

 

 


الاثنين، 16 فبراير 2026

يوسف زيدان وترام الإسكندرية

بقلم/ ميادة مدحت


 

اكتسب يوسف زيدان شهرته خلال عقود طويلة من البحث والكتابة أثرى خلالها المكتبة العربية بمؤلفات ماتعة. كان اللاهوت العربي من أهم الكتب التي قرأتها في حياتي ومازلت أذكر حالة الدهشة التي انتابتني مع قراءة رواية عزازيل وثلاثية المتاهات وغيرها من الكتب والروايات من إبداعه. وفي الوقت الذي انعزل فيه معظم المثقفين عن الناس حرص زيدان على إقامة لقاء ثقافي في القاهرة وآخر في الإسكندرية كان يحضرهما مئات الشباب. إذن لم يستمد يوسف زيدان مكانته من كونه كاتبا ومثقفا فقط لكن من كونه مؤثرا ومشاركا فاعلا في المجتمع حتى تحول إلى جزء من ذكرياتنا الجميلة.

وقد أثار زيدان الجدل مرارا بتصريحاته التي أثارت التساؤلات حول ما اعتبرناه مسلمات تاريخية لكن أكثر ما أثار دهشتي واستيائي كان تصريحه بأن الديمقراطية ليست مناسبة لسياقنا الحالي وأنه يفضل نمطا من حكم النخبة فيما أسماه مجلس حكماء المدينة. وقلت لنفسي في نهاية المطاف لو كان لمدينة الإسكندرية مجلس للحكماء يضم يوسف زيدان وأسامة أنور عكاشة وكفافيس ولورانس داريل لتحولت إلى جنة الله في أرضه وبما أن كل الأسماء المذكورة قد رحلت عن عالمنا فبارك الله لنا في زيدان ففيه الكفاية.        

ومن يتابع يوسف زيدان يعرف عشقه للإسكندرية فهى المدينة التي عاش فيها بحكم المصادفة القدرية والظروف العائلية طفلا ومراهقا وبقى فيها حتى الآن قناعة وحبا واختيارا رغم شهرته التي جابت الآفاق ورغم امتلاكه لبيت في حى الزمالك بالقاهرة. وقد خلق الله العشق للإسكندرية بما أوتيت من جمال وعراقة وهوية بصرية امتزج فيها سحر البحر وبراءة الشجر وعراقة التاريخ. فماذا فعل زيدان وهو يرى معشوقته تستباح من تشويه حديقة المنتزه إلى حجب البحر عن أهلها حتى كارثة تدمير ترام الإسكندرية وذبح الأشجار من حوله بحجة التطوير؟ هل انتفض في غضبة المحبوب لمحبوبته فجمع حوله من استنارت عقولهم بأفكاره لمواجهة بلدوزر فضة المعداوي قبل أن يهدم ما تبقى من جمال؟ لا. هل أدلى بتصريح أو كتب منشورا واحدا على مواقع التواصل ينتقد رفع الترام أو يقترح بديلا حكيما على الحكومة أو حتى يسترجع ذكرياته مع ترام الاسكندرية في أسى؟ لم يحدث!

لماذا صمت المثقف السكندري والحكيم المؤمن بأن حكم النخبة هو الحل؟ إنه يعرف، أكثر من غيره، قيمة الترام كجزء من الذاكرة الاجتماعية للمدينة ومكون رئيس في هويتها البصرية فلماذا لم يعترض؟ وهل الصمت في تلك الحالة من شيم الحكماء؟  

 

 

 

 

 

 

 


الثلاثاء، 23 ديسمبر 2025

وداعا دكتور محمد صابر عرب

بقلم / ميادة مدحت

 


لا يموت الإنسان حتى تموت سيرته وتنقضي إنجازاته، ولن يرحل الدكتور صابر عرب مادمنا على وجه الأرض نتحدث بسيرته العطرة ونعرف الناس بإنجازاته التي لم يكن يهوى التفاخر بها في حياته. وقد شاء القدر أن يسافر طويلا في الغروب – كما كان قدماء المصريين يقولون- قبل ذكرى مولده بعدة أيام. واليوم، في عيد ميلاده- أقدم له شيئا من العرفان بفضله في محاولة لإلقاء الضوء على جوانب من حياة ذلك الرجل العظيم وإنجازاته.

 

(١) رجل الإنجازات الكبرى

تمتع الدكتور صابر بشخصية قيادية وعزيمة من فولاذ. وبينما كان آخرون يستغلون مناصبهم لإقامة علاقات مع ذوي السلطة والنفوذ كان الدكتور صابر يفعل العكس حيث كان يستغل صداقته مع عدد من الشخصيات المهمة داخل مصر وخارجها لتحقيق الصالح العام. عندما بدأ مشروع ترميم المبنى التاريخي لدار الكتب المصرية بباب الخلق، وكان صابر عرب رئيسا لمجلس إدارة دار الكتب والوثائق القومية آنذاك، كاد العمل أن يتوقف بسبب التكلفة الهائلة للترميم وتواصل الدكتور صابر مع الشيخ سلطان القاسمي، حاكم الشارقة، لما بينهما من صداقة قديمة وما عرف عن القاسمي من حبه الشديد لمصر ورعايته لمختلف الأنشطة الثقافية ولم يتأخر حاكم الشارقة فساهم مشكورا في تمويل الترميم وتم افتتاح المبنى بعد إعادته للحياة في عام ٢٠٠٧. ولم يكتف صابر عرب بذلك حيث تواصل مرة أخرى مع الشيخ القاسمي وطلب منه تمويل بناء مبنى جديد لدار الوثائق القومية وسعى لتخصيص أرض للمبنى في جهود جبارة تمت بالتواصل مع عدة جهات وتم إنشاء دار الوثائق القومية بالفسطاط بجوار متحف الحضارة.

وعندما طالت يد الإرهاب الآثمة مبنى دار الكتب ومتحف الفن الإسلامي ومديرية أمن القاهرة في باب الخلق أسرع د.صابر عرب على الفور في تدبير الموارد اللازمة وحشد كافة الجهود للبدء في إعادة الترميم وافتتحت دار الكتب مرة أخرى لتعود أجمل مما كانت. وفي المقر الرئيسي بكورنيش النيل دشن الدكتور صابر مشروع تطوير القاعات المتخصصة للفنون والموسيقى والمكفوفين بالدور الثالث، وقاعة الاطلاع الرئيسية بالدور الخامس، كما نجح بالتعاون مع الجهات المختصة في جلب منحة من ملك إسبانيا لترميم ألبومات الصور النادرة و أفلام النيجاتيف لمقتنيات دار الكتب من الصور الفوتوغرافية.

 



(٢) رجل المواجهات الجريئة

استولى الإخوان المسلمون على ٨٨ مقعدا في برلمان ٢٠٠٥ وكانت دار الكتب والوثائق القومية قد بدأت عهدا جديدا تحت قيادة الدكتور محمد صابر عرب خريج الأزهر الشريف وأستاذ التاريخ في كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر.  وقد شهدت عن كثب ومن الداخل وقائع أزمتين افتعلهما طيور الظلام مع الدكتور صابر أولاهما أزمة كتاب ألف ليلة وليلة وثانيهما أزمة مؤتمر محي الدين بن عربي وفيما يلي أحكي بإيجاز ما حدث.

في عام ٢٠٠٨ أقامت دار الكتب والوثائق القومية برئاسة الدكتور صابر عرب مؤتمرا دوليا بعنوان "ابن عربي ملتقى الشرق والغرب"، اشترك في المؤتمر باحثين من عشرات الدول وكان من أنجح المؤتمرات التي أقامتها وزارة الثقافة في العقد الأول من القرن الحالي. وثارت ثائرة الإخوان فهاجموا صابر عرب وفاروق حسني واتهموهما بالترويج للكفريات والتبذير من ميزانية الدولة لتمجيد أحد رؤوس الكفر! وكانوا قد حاولوا منع إقامة المؤتمر لكن سعيهم قد خاب فاشتعلت قلوبهم حقدا ضد الرجل الذي لم يهتز لتهديدهم وكيف لا وهو خريج الأزهر الشريف وحافظ كتاب الله؟ وقد جاءته مكالمة تهديد ونحن في حفل الافتتاح فلم يهتز له جفن وأصر على مواصلة فعاليات المؤتمر الذي وفرت له الداخلية الحماية اللازمة.

وتربص به الإخوان مرة أخرى في عام ٢٠١٠ إثر إعلانه إعادة طبع ألف ليلة وليلة في نسختها الأصلية بدون حذف وحاولوا بكل طريقة الحول دون ذلك حتى أنه تلقى تهديدات من مجهولين ولكنه أصر وكان له ما أراد ونفدت الطبعة التي صدرت في ١٢ مجلد بمجرد طرحها في الأسواق. وكان صابر عرب على موعد مع القدر في مواجهة مع طيور الظلام أشد ضراوة وهم في صدر السلطة بينما كان يتولى حقيبة الثقافة في وزارة هشام قنديل لكن تلك المواجهة تحتاج مقالا مستقلا لتغطية كافة وقائعها التي تثبت أن هذا الرجل كان يتمتع بصلابة الفولاذ في الدفاع عن الحق والحفاظ على هوية مصر الثقافية من الاستلاب.

 


 

(٣) صانع الفرص

امتلك الدكتور صابر عرب من النباهة ما مكنه من استثمار المناسبات وتحويل الظرف الراهن إلى فرصة محققة فكان من مؤسسي النادي العربي للمعلومات (نادي الإحياء العربي) ورئيس المكتب التنفيذي لفرع القاهرة والذي شرفت بعضويته بناء على تزكية كريمة منه. وعندما اندلعت مظاهرات ٢٥ يناير استدعاني إلى مكتبه ووجدت هناك المؤرخ الكبير الدكتور أحمد زكريا الشلق وكان الحماس يلمع في عينيه وهو يقول أن ذلك الشباب الثائر لابد أن يقرأ وهذا دورنا. وشهد ذلك الاجتماع الثلاثي ظهور سلسلة "الثورة والحرية" التي صدرت عن دار الكتب والوثائق برئاسة تحرير الدكتور الشلق وكنت أنا سكرتيرا للتحرير. ونجحنا بقيادة الدكتور صابر، رئيس مجلس إدارة السلسلة، في إصدار ٣١ عدد في شهر ونصف خرج بعضها للنور والمظاهرات مازالت تشتعل في الميدان على بعد أمتار من مقر مطبعة دار الكتب.



كل ما سبق كان مجرد غيض من فيض الدكتور محمد صابر عرب فلو حاولت الكتابة عنه مؤرخا أو إنسانا أو قياديا لما كفتني مساحات الصحف. يكفي أن أذكر موقفا واحدا حدث في عام ٢٠١١ وكان الدكتور صابر وقتها قد تولى الإشراف على هيئة الكتاب بالإضافة إلى رئاسته لدار الكتب والوثائق القومية وانتابت أحد العاملين بالهيئة نوبة هياج فسكب زجاجة من البنزين على رأسه وجسده وهم بإشعال النار في نفسه فما كان من رئيس الهيئة الإنسان النبيل والعالم الجليل، كما وصفته زوجته الكاتبة أميرة خواسك، إلا أن سارع باحتضان الرجل غير عابيء بحياته في سبيل إنقاذ إنسان من الموت.

وقد اكتفيت بذكر النذر اليسير لعل الناس يعرفون أفضال ذلك الرجل الذي عاش بين الناس ولأجلهم ومات نزيه اليد حسن السيرة.  تذكروه بالفاتحة والدعاء عندما تمرون على صرح كبير من إنجازاته مثل دار الكتب في باب الخلق أو دار الوثائق بالفسطاط فقد خدم هذا الرجل وطنه بكل ما أوتى من قوة وبكل إخلاص.


الجمعة، 31 يناير 2025

ضياع المعنى بين زيدان والمسلماني

 

ميادة مدحت

 

 


 

في الوقت الذي انتفضت فيه مصر حكومةَ وشعبا ضد تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي دعا فيه مصر والأردن إلى استضافة أهل غزة بدعوى إعمارها،

كان الدكتور يوسف زيدان مشغولا بالرد على تصريح آخر لترامب ربما يكون أكثر خطورة لسبب لا يعلمه إلا الله وزيدان! وفقا لما نشره الدكتور يوسف عبر حسابه الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي Facebook أدلى ترامب بتصريح مفاده أنه سيسعى لإحلال السلام في الشرق الأوسط على قاعدة "الدين الإبراهيمي" واعترض زيدان على اتخاذ الإبراهيمية أساسًا للسلام "فقد شهد التاريخُ أفظع الحروب بين أصحاب هذه الديانات (الإبراهيمية) التي يُكذِّب الأقدمُ منها الأحدث ويتَّهمه بالضلال، ويدين الأحدثُ منها الأقدم ويتَّهمه بالانحراف.. وعلى ذلك، فإن "الإبراهيمية" ليست أساسًا مناسبًا لإحلال السلام."

 

 هذا  اعتراض في محله ولكن هل يعقل أن يكون هذا فقط هو ما استرعى انتباه زيدان وشحذ همته للرد؟ ليس التدخل السافر في سيادة الدولة المصرية ولا محاولة ابتلاع جزء من أرض غزة بتهجير أهلها؟ دفعني ذلك لتذكر مواقفه السابقة وأعنى هنا بكلمة "موقف" رأيًا واضحا معلنًا (سهل الفهم). هل تحدث قبل ذلك عن معاناة الناس من شظف العيش وانكشاف الستر؟ عن تجاوز السلطة التنفيذية وتغولها على باقي السلطات؟ عن قضايا أخرى ووقائع كبرى كنت ألتمس فيها رأيا من زيدان لكنه لم يصرح.. وهو الذي إذا قرر أن يشارك ألمح بما لا يكاد يفهمه متوسط الذكاء والتعليم في بلد مازال بها كثرة لا تعرف القراءة والكتابة. وجدتني أتذكر رأيه في الديمقراطية وقوله بأن الأغلبية لا يعول عليها وأن الحكم للحكماء. فاته في ذلك أن من يحكمون في كل زمان ومكان يعدون أنفسهم من أحكم الحكماء.

ربما يفهم ذلك المنطق أحمد المسلماني، أحد هؤلاء الحكماء الذين نعول عليهم في مستقبل أفضل لمصر وكيف لا؟ وهو من كان يرسم لنا الخرائط في برنامجه (الطبعة الأولى) ليشرح لنا ما استغلقت مفاهيمه وها هو قد تولى رئاسة الهيئة الوطنية للإعلام بعد أن طفحت الشاشات في وجوهنا البائسة بأصحاب الجهل والجهالة حتى تشابه البقر علينا. جاء المسلماني فتفاءلت خيرا وقلت سيطهر شاشاتنا من الجهل، سنرى الحقائق في شاشات الحكومة، وسنفهم سبب معاناتنا الاقتصادية والاجتماعية. لكنى لست من الحكماء لأن الحكمة تقتضي أن نضبط المفاهيم أولا. المسميات مهمة وبالتالي فإن تغيير اسم قناة (النيل سينما) إلى (موليوود سينما)، ودمج قناة النيل كوميدي مع قناة النيل دراما في قناة واحدة باسم (موليوود دراما) سينهض لا محالة بالدراما المصرية. حجة المسلماني في ذلك أن مصر هى رائدة الإعلام والدراما في الوطن العربي –وتلك حقيقة-  ومن أجل ذلك يستوجب تعديل اسم الشهرة لصناعة الإبداع في مصر من (هوليوود الشرق) إلي (موليوود)!

 

كل هذا العمق! عقلي الصغير لا يحتمل  حكمة هؤلاء الكبار ولا يفهمها. لكن الوطن لا

 يبنيه أمثالي ممن يشغلهم التفكير في تدبير  القوت بمرتب يكاد لا يكفي نصف شهر،

 وممن تخيفهم جرائم النفس التي تصاعدت  وتيرتها، وممن تسبب حظهم العاثرفي إلقاء

 أطفالهم داخل نظام تعليمي يحولهم إلى  فئران تجارب للهواة قبل المحترفين، وممن

 لا يجدون ثمن العلاج إذا مرضوا. إننا  تافهون يا سادتي الحكماء، صغار إلى درجة

 أننا لا نٌرى بالعين المجردة. لم نصمد آلاف  السنين لعبقرية في أذهاننا ولا بسطة في

 أجسادنا .. كل ما في الأمر أننا احترفنا  التكيف حتى صرنا كالصلصال يتمدد وينكمش

 وفقا لما يتراءى للحكام والحكماء.  لكن  حيلنا في التكيف والتشكل والتحايل  تكاد أن

 تنضب .. خارت قوانا من طول  التعب، أوشكنا على الانقراض ونحن في  ذلك لملامون

 حقا فليس الجوع، ولا القهر،  ولا الدين، ولا تواطؤ الحكماء هم من قتلونا  لكن عجزنا عن

 فهم الحكمة المقطرة هو  القاتل وياليت عجزنا كان رجلا .. إذن  لقتلناه.  


الثلاثاء، 21 مايو 2024

ميلاد التكفيري الأول وحنينه للكهف




لم يعد للقرية حديث سوى "فتنة" تلك الفتاة التي غفا أهل القرية ذات ليلة واستيقظوا ليجدوها بينهم. لم يعرف أحد من أين جاءت وكيف اندست بين ظهرانيهم؟ لكنهم أجمعوا أن شباب القرية لم يتلف حالهم إلا بعد ظهورها. 
وعندما وضعت "فتنة" طفلها الأول سألوها: - من أبوه؟ فقالت: هو ابن كل شباب القرية! وفي بضع سنين جاءت أكثر من فتنة وانتشر الأطفال مجهولو النسب في القرية. ولأنها كانت واقعة ليس لها سابقة في ذلك البلد، الذي كان طيبا، فقد اتفق الجميع على أن يدعى هؤلاء الأطفال بأسماء أمهاتهم وكبر ابن "فتنة" وهو لا يعرف عن جذوره شيئا سوى أنه "ابن فتنة" والتصق به المسمى حتى نسى اسمه. 
لا أحد يدري من أين جاءه الشيطان بتلك الفكرة لكنه احتجب أو ارتحل شهورا ثم عاد إلى القرية وقد أطلق لحيته، وبدل لسانه العامي بلسان أقرب إلى الفصحى وصار يمر على الناس فما إن يسمع أحدهم يناديه: 
- إلى أين يا ابن فتنة؟ 
ينتفض صارخا: بل أنا الشيخ فلان واحذر عندما تخاطبني فإن لحوم العلماء مسمومة!
وظل على تلك الحال والناس في عجب من أمره، بين مستنكر ومصدق، منهم من يقول أن باب التوبة مفتوح ومنهم من يؤكد أن العرق دساس! 
وجاء اليوم المشهود عندما واجه الشيخ "ابن فتنة" إمام المسجد الفقيه العالم الذي امتحنه في مسائل دينية على رؤوس الأشهاد فثبت جهله بالدين وكذبه. وكان أبناء ساقطات القرية قد أطلقوا لحاهم وكونوا عصبة من الشيوخ الصغار وأجبروا أمهاتهم على التحاف السواد وليمارسن البغاء -كما أردن- تحصنا خلف النقاب. وكانوا قد احتشدوا خلف "ابن فتنة" في المناظرة وسمعوا الذي آتاه الله العلم يقول: 
- ما أذكاها من حيلة! لحية وجلباب وتتحول من إبن فلانة إلى الشيخ فلان. والآن وقد ثبت جهلك وأتباعك فإننا لن نأخذ بعد اليوم ديننا من ابن فتنة وأمثاله. 
لم يكن ثمة حل سوى أن يقتل هذا العالم ليخلو لهم وجه القرية، وقد كان. وفي يوم النحر أعلنوا أن حد الردة ينتظر كل كافر بهم وبنسختهم من الدين ! 
وهكذا تحول كل من العلم والشجاعة إلى صفتين مذمومتين في القرية، وتلفحت الحرائر بالسواد اقتداء بأم "ابن فتنة" لكن نار ابنها لم تبرد. كان ماضيه وماضي أمه يطارده فيأتيه أهل القرية في كوابيسه وكل منهم يناديه بوصمة عاره يا "ابن فتنة" وفي عيونهم الاستهزاء القديم. 
عاش في هلع أن يعود به الحال إلى سابقه وصار يفزع من مواويل الفلاحين في الحقل، ومن ضحكات البنات التي لم يفلح النقاب في كتم صوتها، حتى مشهد المنازل التي بنيت من طمى الأرض وقشها وقام البسطاء بطلائها بألوان البهجة كانت تخيفه وأتباعه وأمهاتهن اللواتي احترفن بيع البهجة السرية المحرمة التي تورث القلب ثقلا والنفس ندما. 
وما هى إلا بضع سنين إلا وقد أعلنت الحرب على كافة أشكال الحياة، وشاع حديث الموت والقبر وجهنم. وبعد القضاء على الغناء والضحك والألوان كان لابد من منع الشمس أن تشرق على تلك القرية واجتمع زبانية ابن فتنة يتدارسون طرق إطفاء الشمس. تلك الفاجرة كانت مصرة على مخالفة شرع جند الله، يكفرون الحب فتشرق على وجوه الفتيات في سن الطفولة ممن لم يدفنوا خلف ليل النقاب فيقع في الحب الأولاد الصغار دون الحلم..  يحرمون الرسم فيشع نورها في السماء ويغزو الحقول فيصنع لوحة فنية بديعه. أى فتنة وابتلاء! 
  أخفقت جماعة ابن فتنة في مسعاها لإطفاء الشمس فصدر القرار بالانسحاب إلى كهوف الجبل الرابض بين القرية والنهر وتم إعدام كل من رفض التنفيذ. لم يظهر لأى من أهل القرية أثرا بعد ذلك لكن الشمس استمرت في شروقها الأبدي كل يوم.

الثلاثاء، 7 مارس 2017

باسل الأعرج.. حتى مصرع الفجر





بقلم \ ميادة مدحت


هل خسف القمر بالأمس؟ لم تخسف الأقمار الصناعية بالأمس ولا نكست الأعلام.  لم نسمع كلمة شجب ولا بيان إدانة.  ولو كنا شعوبا تحترم نفسها لقتلنا أنفسنا بكاءً على باسل الأعرج ، ذاك الفلسطيني الذي درس الصيدلة في مصر وعاد منها إلى وطنه مبشرًا بالثورة. كان باسل مناضلا ومنظرًا ومبشرًا بحركة نضالية جديدة قوامها الفرد في زمن غلبت فيه النزعة الفردية على كل شيء حتى النضال! صنع من نفسه كتيبة وانطلق مسلحًا بمعرفته لتاريخ الأرض وجغرافيا الزمن، نظم الرحلات الميدانية إلى كل  شبر على أرض الضفة الغربية ليحكى لرفاقه عن معارك الحرية . نظَر للقتال ولكن لأنه ابن الربيع العربي أبى أن يكون كأسلافه من المنظرين الذين أكلوا بأقلامهم فعلت أصواتهم ولمعت نجومهم فلما قامت الثورة من المحيط إلى الخليج لم نر منهم فى الميادين أحدا.

قاوم الاستيطان فى قرية "ولجة" وسار على رأس المسيرات حتى اعتقلوه ولبث لديهم ستة أشهر. و خرج من المعتقل لتبدأ رحلة نضاله فى المسافة بين النظرية والتطبيق ، كانت نظريته مفادها : " عش نيصًا وقاتل كالبرغوث" وقد فعلها ، أزعج الصهاينة وعجزت أجهزتهم عن رصده. وجاء  باسل بمعجزته حين صار سلاحه الثقافة وثقافته السلاح ، فاستحق النبوة والشهادة.
فجر أمس الاثنين الموافق السادس من مارس 2017 م ، وفى منزل بمدينة البيرة قرب رام الله هاجموه فاشتبك معهم وأمر كبيرهم باستمرار القصف حتى مصرع الفجر. وقد ظنوا أنهم صرعوه ولكنهم ما قصفوه وما قتلوه ولكن شبه لهم. خطفوا جثته لأنهم يعرفون أن كل مضرج بدماء الحق خطر عليهم، أخذوا الفجر بعيدًا ولكن عزائي أنه لم يكن الفجر الأخير، فقط كان فجرًا بمكن أن يأتينا غيره. ومادامت شمس الوطن لم تشرق من الغرب بعد فمازالت فرصة التوبة قائمة وباب النضال مفتوحًا حتى مطلع الفجر.