بقلم / ميادة مدحت
لا يموت الإنسان حتى تموت سيرته وتنقضي
إنجازاته، ولن يرحل الدكتور صابر عرب مادمنا على وجه الأرض نتحدث بسيرته العطرة
ونعرف الناس بإنجازاته التي لم يكن يهوى التفاخر بها في حياته. وقد شاء القدر أن يسافر طويلا في الغروب – كما كان قدماء المصريين يقولون-
قبل ذكرى مولده بعدة أيام. واليوم، في عيد ميلاده- أقدم له شيئا من العرفان بفضله
في محاولة لإلقاء الضوء على جوانب من حياة ذلك الرجل العظيم وإنجازاته.
(١) رجل الإنجازات الكبرى
تمتع الدكتور صابر بشخصية قيادية وعزيمة من
فولاذ. وبينما كان آخرون يستغلون مناصبهم لإقامة علاقات مع ذوي السلطة والنفوذ كان
الدكتور صابر يفعل العكس حيث كان يستغل صداقته مع عدد من الشخصيات المهمة داخل مصر
وخارجها لتحقيق الصالح العام. عندما بدأ مشروع ترميم المبنى التاريخي لدار الكتب
المصرية بباب الخلق، وكان صابر عرب رئيسا لمجلس إدارة دار الكتب والوثائق القومية
آنذاك، كاد العمل أن يتوقف بسبب التكلفة الهائلة للترميم وتواصل الدكتور صابر مع
الشيخ سلطان القاسمي، حاكم الشارقة، لما بينهما من صداقة قديمة وما عرف عن القاسمي
من حبه الشديد لمصر ورعايته لمختلف الأنشطة الثقافية ولم يتأخر حاكم الشارقة فساهم
مشكورا في تمويل الترميم وتم افتتاح المبنى بعد إعادته للحياة في عام ٢٠٠٧.
ولم يكتف صابر عرب بذلك حيث تواصل مرة أخرى مع الشيخ القاسمي وطلب منه
تمويل بناء مبنى جديد لدار الوثائق القومية وسعى لتخصيص أرض للمبنى في جهود جبارة
تمت بالتواصل مع عدة جهات وتم إنشاء دار الوثائق القومية بالفسطاط بجوار متحف
الحضارة.
وعندما طالت يد الإرهاب الآثمة مبنى دار
الكتب ومتحف الفن الإسلامي ومديرية أمن القاهرة في باب الخلق أسرع د.صابر عرب على
الفور في تدبير الموارد اللازمة وحشد كافة الجهود للبدء في إعادة الترميم وافتتحت
دار الكتب مرة أخرى لتعود أجمل مما كانت. وفي المقر الرئيسي بكورنيش النيل دشن
الدكتور صابر مشروع تطوير القاعات المتخصصة للفنون والموسيقى والمكفوفين بالدور
الثالث، وقاعة الاطلاع الرئيسية بالدور الخامس، كما نجح بالتعاون مع الجهات
المختصة في جلب منحة من ملك إسبانيا لترميم ألبومات الصور النادرة و أفلام
النيجاتيف لمقتنيات دار الكتب من الصور الفوتوغرافية.
(٢) رجل المواجهات الجريئة
استولى الإخوان المسلمون على ٨٨ مقعدا في
برلمان ٢٠٠٥ وكانت دار الكتب والوثائق القومية قد بدأت عهدا جديدا تحت قيادة
الدكتور محمد صابر عرب خريج الأزهر الشريف وأستاذ التاريخ في كلية اللغة العربية
بجامعة الأزهر. وقد شهدت عن كثب ومن الداخل وقائع أزمتين
افتعلهما طيور الظلام مع الدكتور صابر أولاهما أزمة كتاب ألف ليلة وليلة وثانيهما
أزمة مؤتمر محي الدين بن عربي وفيما يلي أحكي بإيجاز ما حدث.
في عام ٢٠٠٨ أقامت دار الكتب والوثائق
القومية برئاسة الدكتور صابر عرب مؤتمرا دوليا بعنوان "ابن عربي ملتقى الشرق
والغرب"، اشترك في المؤتمر باحثين من عشرات الدول وكان من أنجح المؤتمرات
التي أقامتها وزارة الثقافة في العقد الأول من القرن الحالي. وثارت ثائرة الإخوان
فهاجموا صابر عرب وفاروق حسني واتهموهما بالترويج للكفريات والتبذير من ميزانية الدولة
لتمجيد أحد رؤوس الكفر! وكانوا قد حاولوا منع إقامة المؤتمر لكن سعيهم قد خاب
فاشتعلت قلوبهم حقدا ضد الرجل الذي لم يهتز لتهديدهم وكيف لا وهو خريج الأزهر
الشريف وحافظ كتاب الله؟ وقد جاءته مكالمة تهديد ونحن في حفل الافتتاح فلم يهتز له
جفن وأصر على مواصلة فعاليات المؤتمر الذي وفرت له الداخلية الحماية اللازمة.
وتربص به الإخوان مرة أخرى في عام ٢٠١٠ إثر
إعلانه إعادة طبع ألف ليلة وليلة في نسختها الأصلية بدون حذف وحاولوا بكل طريقة
الحول دون ذلك حتى أنه تلقى تهديدات من مجهولين ولكنه أصر وكان له ما أراد ونفدت
الطبعة التي صدرت في ١٢ مجلد بمجرد طرحها في الأسواق. وكان صابر عرب على موعد مع
القدر في مواجهة مع طيور الظلام أشد ضراوة وهم في صدر السلطة بينما كان يتولى
حقيبة الثقافة في وزارة هشام قنديل لكن تلك المواجهة تحتاج مقالا مستقلا لتغطية
كافة وقائعها التي تثبت أن هذا الرجل كان يتمتع بصلابة الفولاذ في الدفاع عن الحق
والحفاظ على هوية مصر الثقافية من الاستلاب.
(٣) صانع الفرص
امتلك الدكتور صابر عرب من النباهة ما مكنه
من استثمار المناسبات وتحويل الظرف الراهن إلى فرصة محققة فكان من مؤسسي النادي
العربي للمعلومات (نادي الإحياء العربي) ورئيس المكتب التنفيذي لفرع القاهرة والذي
شرفت بعضويته بناء على تزكية كريمة منه. وعندما اندلعت مظاهرات ٢٥ يناير استدعاني
إلى مكتبه ووجدت هناك المؤرخ الكبير الدكتور أحمد زكريا الشلق وكان الحماس يلمع في
عينيه وهو يقول أن ذلك الشباب الثائر لابد أن يقرأ وهذا دورنا. وشهد ذلك الاجتماع
الثلاثي ظهور سلسلة "الثورة والحرية" التي صدرت عن دار الكتب والوثائق
برئاسة تحرير الدكتور الشلق وكنت أنا سكرتيرا للتحرير. ونجحنا بقيادة الدكتور
صابر، رئيس مجلس إدارة السلسلة، في إصدار ٣١ عدد في شهر ونصف خرج بعضها للنور
والمظاهرات مازالت تشتعل في الميدان على بعد أمتار من مقر مطبعة دار الكتب.
كل ما سبق كان مجرد غيض من فيض الدكتور محمد
صابر عرب فلو حاولت الكتابة عنه مؤرخا أو إنسانا أو قياديا لما كفتني مساحات
الصحف. يكفي أن أذكر موقفا واحدا حدث في عام ٢٠١١ وكان الدكتور صابر وقتها قد تولى
الإشراف على هيئة الكتاب بالإضافة إلى رئاسته لدار الكتب والوثائق القومية وانتابت
أحد العاملين بالهيئة نوبة هياج فسكب زجاجة من البنزين على رأسه وجسده وهم بإشعال
النار في نفسه فما كان من رئيس الهيئة الإنسان النبيل والعالم الجليل، كما وصفته
زوجته الكاتبة أميرة خواسك، إلا أن سارع باحتضان الرجل غير عابيء بحياته في سبيل
إنقاذ إنسان من الموت.
وقد اكتفيت بذكر النذر اليسير لعل الناس يعرفون
أفضال ذلك الرجل الذي عاش بين الناس ولأجلهم ومات نزيه اليد حسن السيرة.
تذكروه بالفاتحة والدعاء عندما تمرون على
صرح كبير من إنجازاته مثل دار الكتب في باب الخلق أو دار الوثائق بالفسطاط فقد خدم
هذا الرجل وطنه بكل ما أوتى من قوة وبكل إخلاص.









