بقلم/
ميادة مدحت
.jpg)
اكتسب يوسف زيدان شهرته
خلال عقود طويلة من البحث والكتابة أثرى خلالها المكتبة العربية بمؤلفات ماتعة. كان
اللاهوت العربي من أهم الكتب التي قرأتها في حياتي ومازلت أذكر حالة الدهشة التي
انتابتني مع قراءة رواية عزازيل وثلاثية المتاهات وغيرها من الكتب والروايات من
إبداعه. وفي الوقت الذي انعزل فيه معظم المثقفين عن الناس حرص زيدان على إقامة
لقاء ثقافي في القاهرة وآخر في الإسكندرية كان يحضرهما مئات الشباب. إذن لم يستمد
يوسف زيدان مكانته من كونه كاتبا ومثقفا فقط لكن من كونه مؤثرا ومشاركا فاعلا في
المجتمع حتى تحول إلى جزء من ذكرياتنا الجميلة.
وقد أثار زيدان الجدل مرارا
بتصريحاته التي أثارت التساؤلات حول ما اعتبرناه مسلمات تاريخية لكن أكثر ما أثار
دهشتي واستيائي كان تصريحه بأن الديمقراطية ليست مناسبة لسياقنا الحالي وأنه يفضل
نمطا من حكم النخبة فيما أسماه مجلس حكماء المدينة. وقلت لنفسي في نهاية المطاف لو
كان لمدينة الإسكندرية مجلس للحكماء يضم يوسف زيدان وأسامة أنور عكاشة وكفافيس
ولورانس داريل لتحولت إلى جنة الله في أرضه وبما أن كل الأسماء المذكورة قد رحلت
عن عالمنا فبارك الله لنا في زيدان ففيه الكفاية.
ومن يتابع يوسف زيدان يعرف
عشقه للإسكندرية فهى المدينة التي عاش فيها بحكم المصادفة القدرية والظروف
العائلية طفلا ومراهقا وبقى فيها حتى الآن قناعة وحبا واختيارا رغم شهرته التي
جابت الآفاق ورغم امتلاكه لبيت في حى الزمالك بالقاهرة. وقد خلق الله العشق
للإسكندرية بما أوتيت من جمال وعراقة وهوية بصرية امتزج فيها سحر البحر وبراءة
الشجر وعراقة التاريخ. فماذا فعل زيدان وهو يرى معشوقته تستباح من تشويه حديقة
المنتزه إلى حجب البحر عن أهلها حتى كارثة تدمير ترام الإسكندرية وذبح الأشجار من
حوله بحجة التطوير؟ هل انتفض في غضبة المحبوب لمحبوبته فجمع حوله
من استنارت عقولهم بأفكاره لمواجهة بلدوزر فضة المعداوي قبل أن يهدم ما تبقى من
جمال؟ لا. هل أدلى بتصريح أو كتب منشورا واحدا على مواقع التواصل ينتقد رفع الترام
أو يقترح بديلا حكيما على الحكومة أو حتى يسترجع ذكرياته مع ترام الاسكندرية في
أسى؟ لم يحدث!
لماذا صمت المثقف السكندري
والحكيم المؤمن بأن حكم النخبة هو الحل؟ إنه يعرف، أكثر من غيره، قيمة الترام
كجزء من الذاكرة الاجتماعية للمدينة ومكون رئيس في هويتها البصرية فلماذا لم
يعترض؟ وهل الصمت في تلك الحالة من شيم الحكماء؟
